الزواج في هذه المرحلة بطولة أم انتحار؟

الزواج في هذه المرحلة بطولة أم انتحار؟

هند سعادة

مصطلح «أزمة» أصبح من المصطلحات الأكثر شيوعا في لغتنا اليومية، مثل أزمة كورونا، أزمة الدولار، أزمة الحكومة... وغيرها. تاريخيا استخدم هذا المصطلح للدلالة على وجود نقطة تحوّل مهمة أو لحظات مصيرية في حياة الفرد أو المجتمع.

وفي خضم الأزمات لا يستفيد الفرد من الخبرات الماضية لأن الأزمات تحمل في جعبتها تطوّرات غير مألوفة تتطلّب معالجة غير مألوفة أيضا، ما يفسّر التخبّط الواضح على مواقع التواصل الاجتماعي التي أصبحت أشبه بساحة مبارزة بين المعالجات التي تحصد تارة من يؤيّدها وطورا من يرفضها.

على الصعيد الاجتماعي، انتشرت ظاهرة الزواج «السريع أو المتسرّع» تزامنا مع أزمة هي الأشرس بعد إنتهاء الحرب الأهلية، فتزامنا مع التطوّرات المتسارعة يسعى كل منا الى ضبط إيقاع حياته قدر المستطاع والتحكم بمصيره بما يرضيه، عبر قرارات مفصلية كالزواج.

الزواج بطولة أو انتحار في هذه المرحلة؟ «اللواء» طرحت السؤال على عيّنة من الشباب والمتخصصين فكيف جاءت الردود؟

لنتزوج عن حب وخذْ  ما يدهش العالم

وفي زحمة الآراء المؤيّدة والرافضة للزواج في هكذا ظرف، يرى بعضهم أن الحب هو الوحيد القادر على تغيير المعادلة وتحويلها من انتحار الى بطولة.

فالعيش مع شخص «على الخبز والزيتون» لا تغدو كونها جملة شعرية لا محال لها من الاعراب في حياة الزوجين إذا فُقد الحب لكن في حال توفر تصبح حقيقة يتمسّك بها الطرفان للصمود بوجه رياح الأزمة المستشرية وتصبح طريق الألف ميل أكثر سهولة بوجود الشريك.

أما الزواج الذي تحكمه المصالح المالية والاجتماعية فهو أشبه بشوكة تغزّ جسمك لو كان مستترا تحت فساتين فاتنة ومجوهرات برّاقة فكيف الحال ان وقعت في آتون الفقر والعجز؟

وتنتهي صاحبة هذه النظرية الى القول: صحيح انه علميا لا يصحّ الجزم في أي نظرية قبل تطبيقها إلا انني أجزم لنتزوّج عن حب وخذ ما يدهش العالم.

أما أحمد ابن الـ 25 عاما، فاعتبر ان من لم تخلُ جعبته من الدولارات، يمكنه استغلال الظروف من كورونا والوضع الاقتصادي لعقد الزواج بأقل كلفة ممكنة، لكن في حال لم تتوفر لديه فهي خطوة غير مدروسة تودي حتما الى الانتحار لأٌنه يتورّط والشريكة بمستنقع لن يكون سهلا الخروج منه.

من جهتهما، يتحضّر إيلي وريمي، لدخول «القفص الذهبي» في أيام معدودة، عازيين السبب الى ان اليوم سيكون أفضل من الغد والسبب الأساسي يعود للمتحكمين بمفاصل السلطة في البلد. ارتكز الثنائي في قرارهما على ثابتة أساسية وهي عملهما داخل السلك العسكري ما يشكّل الضمانة الأهم لهما إضافة الى امتلاكهما مبلغ من المال بالليرة اللبنانية يمكنهما من الزواج، مؤكدان ان الزواج من دون ضمانات معقولة هو حتما انتحار.


الإقدام على الزواج هو انتحار؟

بطولة أم انتحار الذين يتزوجون في هذه المرحلة؟ الدكتورة في الجامعة اللبنانية المتخصصة في علم الاجتماع ماي مارون، طرحت السؤال عبر صفحتها على موقع التواصل الاجتماعي «فايسبوك».

مارون استشهدت بخبرات طلابها الذين شاركوها تجربتهم بالعلاقات على صفحتها، للتصويب على خلفيات قرار الزواج في هكذا مرحلة، وأكثرها شيوعا حاليا هي الهجرة الى دول أخرى، فإحدى الطالبات اوضحت لها أنها أقدمت على الزواج بهدف الهجرة الى الخارج ومثلها كثيرات.

واعتبرت ان المرحلة الحالية لن تقتصر ظواهرها على الزواج السريع والمتسرّع بل ستتوسّع لتشمل مصطلح المساكنة الذي سيراه البعض أهون الشرّين، فبين التعقّل والاندفاع يلوذ البعض بالمساكنة، ما يؤشر حكما الى تغيّرات لا مفر منها في العادات والتقاليد السائدة في المجتمع اللبناني، إسوة بالدول التي عايشت الأزمات كالصين التي فرضت على الثنائي إنجاب طفل واحد على سبيل المثال.

وفي وقت يظهر عجز الكثيرين من المتزوجين بتأمين الحد الأدنى من حاجات ومتطلبات أولادهم جليّا، عزت الدكتورة إقدام البعض على الزواج الى حالة الحب التي يعيشونها إضافة الى التمسّك بالأمل بأن الغد سيكون أفضل، قائلة: «الحب يمنع الشخص من رؤية الحقيقة».

وبين الحب والأمل والتقارير الصادرة عن الاقتصاديين والخبراء التي تنذر بتفاقم الوضع واستمرار الأزمة لفترة ليست بقصيرة، يكون الضياع العام سيد الموقف وبالتالي الإقدام على الزواج هو فعل انتحار جديّ، خصوصا ان قرّر الثنائي إنجاب الأطفال.

وتوازيا مع الأزمة المستشرية، انقسم اللبنانيون الى نموذجين، الأوّل ينحو نحو التوكل الى الله وتسليم الأمور الى قوى ماورائية في حين يذهب الثاني الى اللذة الآنية واتخاذ القرارات المتسرّعة لأن الغد ضبابي والحلول سدّت بوجههم، بحسب مارون.

ونصحت الشباب بعدم الإقدام على الزواج حاليا والانتظار، قائلة: الزواج بعد الـ 30 ممكن والظروف قد تكون ملائمة أكثر لهكذا خطوة، محذّرة من ارتفاع نسبة التفكك الأسري في المجتمع في حال استمرت هذه الظاهرة.

عندما تتغيّر الأولويات ستتغيّر حكما إدارة الحياة اليومية

لكن البطولة والانتحار عنوانان لا يمكن اسقاطهما على مفهوم الزواج وحصره بهما مهما كانت الظروف، برأي المتخصصة بعلم النفس كارن اليا، فالزواج ارتباط مقدّس بين الطرفين وعهد بالبقاء سويا على المدى الطويل، ولجوء البعض لربط هذان العنوانان بالزواج ناتج عن ضغوط اقتصادية، وقلق عام وظروف غير مستقرة.

اليا دعت الشباب للتمييز بين يوم الزواج الذي يقتصر على الاحتفال وتكاليفه وبين مشروع الزواج الذي يجب أن يترافق مع سعي يومي لانجاحه، لذلك على كل شخص الانطلاق من قدراته المادية، الفكرية وطبيعة العلاقة التي تربطه بالشخص الآخر لمعرفة إذا كان اليوم هو الوقت المناسب للارتباط أم لا يزال يحتاج لمزيد من الاختبار.

وفي معرض شرحها لظاهرة الزواج، ميّزت الدكتورة بين العلاقات المستجدة خلال الفوضى القائمة وبين العلاقات التي تأسست قبل الأزمة وهي اليوم متينة، فالأشخاص التي لا تزال علاقتهم جديدة لا تنصحهم باتخاذ قرارات متعلّقة بالفوضى كالزواج لانه لحظة عودة الاستقرار الى حياتهم سيضعون قراءة مختلفة لقراراتهم ويمكن أن يندموا عليها. أما الذين تربطهم علاقة دامت لفترة طويلة ويطمحون لتطويرها الى مشروع حياة، فيمكنهم السير بقرار الزواج لانه غير مرتبط بالظروف الخارجية، وفي هذه الحالة أي عنصر خارجي يمكن التحكّم به ويمكن إيجاد مخرج له.

وختمت: الغد لن يشبه اليوم، وسيكون هناك تغيير كبير على المستوى النفسي وطريقة التفكير وتسلسل الأولويات إضافة الى الظروف الاقتصادية، فعندما تتغيّر الأولويات ستتغيّر حكما إدارة الحياة اليومية بما يتناسب مع الواقع، فكثير من الأمور ستعود الى سابق عهدها وكثير منها سيتغيّر وستظهر عادات جديدة في حياة الثنائي.

الكلمات المخصصة لهذا المقال:
العائلة

مقالات شبيهة

عرض جميع المقالات
الأعراسُ... قيْدَ المُلاحقة!

الأعراسُ... قيْدَ المُلاحقة!

"ليبانون ديبايت"- ملاك عقيل ليس الأمر سهلاً على اللبنانيين. بين احتضان كورونا او احتضان العريس…

بـ«زمن كورونا» عرس جماعي في طرابلس

بـ«زمن كورونا» عرس جماعي في طرابلس

رغم كل الظروف، وفي زمن «كورونا»، وتأكيداً لـ«روح المبادرة والتضامن والإصرار على مواصلة الحياة، وتأمين…

شابة مصرية تجتاح فيسبوك بعرض نفسها للزواج...

شابة مصرية تجتاح فيسبوك بعرض نفسها للزواج... "للجادين فقط"

اجتاحت شابة مصرية، إسمها مها أسامة، مواقع التواصل الاجتماعي وبخاصة فيسبوك، بعدما نشرت فيديو عرضت…