طفلي لا يحب اللمس أو الحضن! إليكِ ما قد يفسر هذا السلوك
طفلي لا يحب اللمس أو الحضن جملةٌ تقولها كثير من الأمهات بصوت مرتبك، وخلفها قلق حقيقي وتساؤلات لا تنتهي. فحين تمدّ الأمّ يدها لتحتضن طفلها فيبتعد أو يتصلّب أو يبكي، تشعر بألم صامت يصعب وصفه. غير أنّ هذا السلوك ليس دليلًا على غياب الحبّ. بل هو في كثير من الأحيان رسالة يحاول الطفل إيصالها بجسده. وكما تكشف الإشارات الخفية التي يُرسلها الطفل كثير الحركة عن حاجات عميقة لا تُصاغ بكلمات، فكذلك رفض اللمس له أسبابه العلمية الواضحة التي تستحقّ الفهم والتمعّن.
في هذا المقال، نستعرض الأسباب النفسية والعصبية الكامنة وراء هذا السلوك، والإشارات التي تستوجب الانتباه، والطرق العملية للتعامل معه باحتواء وصبر. مع التشديد على أهمية استشارة الطبيب المتخصّص قبل تطبيق أيّ نصيحة أو اتّخاذ أيّ خطوة علاجية.
1. لماذا يرفض بعض الأطفال اللمس والحضن؟
قبل القلق، يجب الفهم. ورفض اللمس عند الطفل ظاهرة تحمل تفسيرات علمية دقيقة تبدأ من الجهاز العصبي نفسه.
يعالج الجهاز العصبي عند بعض الأطفال المحفّزات الحسية بطريقة مختلفة عن الطبيعي. وهو ما يُعرف علميًا باضطراب المعالجة الحسية (Sensory Processing Disorder). فاللمسة البسيطة التي تشعرين أنّها حنان قد يتلقّاها طفلكِ باعتبارها إزعاجًا حقيقيًا أو حتى ألمًا مزعجًا. تُشير دراسة نُشرت في مجلة Frontiers in Psychology عام 2024 إلى أنّ الحساسية الحسية ترتبط ارتباطًا وثيقًا بأنماط التعلّق المبكر وبقدرة الطفل على تنظيم مشاعره لاحقًا.
لذا، فإنّ طفلي لا يحب اللمس أو الحضن ليست جملة تعني “طفلي لا يحبّني”. بل تعني في الغالب “طفلي يعالج العالم بطريقة مختلفة”. وهذا الفهم هو نقطة انطلاق كلّ تدخّل صحيح.
2. الأسباب النفسية والتنموية الكامنة وراء رفض اللمس
تتعدّد الأسباب وتتشعّب. بعضها يندرج ضمن التنوّع الطبيعي في شخصيات الأطفال. وبعضها الآخر يستدعي متابعة أدقّ.
يأتي في مقدّمة هذه الأسباب أسلوب التعلّق القلق (Anxious Attachment). فحين لا يشعر الطفل بالأمان الكافي في علاقته بمن حوله، يلجأ أحيانًا إلى رفض القرب الجسدي كآلية دفاعية لا واعية. وهذا ما أكّدته نظرية التعلّق التي أرسى قواعدها عالم النفس جون بولبي. كذلك يُسهم المزاج الفطري للطفل إسهامًا كبيرًا. فبعض الأطفال يولدون بطبيعة انطوائية أو بحساسية حسية أعلى من غيرهم. وهذا ليس خللًا. بل هو سمة شخصية تحتاج إلى تعامل مختلف. وتشير أبحاث علم النفس التنموي إلى أنّ فهم تصرفات الطفل غير المألوفة يبدأ دائمًا بالتمييز بين ما هو تنوّع في الشخصية وما هو إشارة تستوجب التقييم.
يُضاف إلى ذلك التجارب السلبية المبكرة. فالطفل الذي عاش ألمًا جسديًا في وقت سابق أو مرّ بتجربة مستشفى قاسية قد يُعيد الدماغ لاوعيًا ربط اللمس بالألم. ومن ثمّ يأتي الرفض حمايةً لا عدوانًا.
3. متى يكون رفض اللمس إشارةً تستوجب استشارة الطبيب؟
ليس كلّ رفض للحضن مقلقًا. غير أنّ ثمّة إشارات واضحة لا ينبغي تجاهلها أو تأجيل التحرّك حيالها.
تستوجب مراجعة طبيب مختصّ حين يقترن رفض اللمس بغياب التواصل البصري. أو حين يُرافقه تأخّر في الكلام. أو حين يتجنّب الطفل اللعب مع أقرانه بشكل ممنهج. هذه المجموعة من العوارض قد تُشير إلى اضطراب طيف التوحّد (ASD) أو اضطراب المعالجة الحسية المزمن. وتؤكّد الأكاديمية الأمريكية لطب الأطفال (AAP) أنّ التشخيص المبكر قبل سنّ الثلاث يُحقّق نتائج تدخّلية أفضل بكثير على المدى البعيد. لذا، لا تنتظري. استشيري الطبيب أوّلًا قبل أن تبدئي بتطبيق أيّ نصيحة أو أسلوب علاجي. فالتشخيص الصحيح هو الخطوة الأولى الإلزامية.
كذلك يستوجب الانتباه حين يُصاحب الرفضَ بكاءٌ شديد أو حركات تكرارية أو انسحاب تام من البيئة المحيطة. فهذه الإشارات مجتمعةً تستدعي تقييمًا من معالج وظيفي أو مختصّ نفسي متخصّص في نموّ الطفل.
4. كيف تتعاملين مع طفلٍ يرفض اللمس؟
التعامل الصحيح لا يبدأ بالإجبار. بل يبدأ بالاحترام والتدرّج والصبر.
تبدأ الخطوة الأولى باحترام حدود الطفل الجسدية. فحين تفرضين الحضن على طفل يرفضه، تُعمّقين رفضه وتُفقدينه الشعور بالأمان. بدلًا من ذلك، اقتربي بالقرب البصري أوّلًا. الابتسامة والنظرة الدافئة قربٌ حقيقي. تتمثّل الخطوة الثانية في اللعب الحسّي التدريجي. فالأطفال الذين يرفضون اللمس المباشر كثيرًا ما يتقبّلون التفاعل الجسدي الغير مباشر. كالعجن والرمل واللعب بالماء. وتُثبت الوسائل التعليمية الحسية فاعليتها في مساعدة الأطفال على بناء علاقة أكثر إيجابية مع حواسّهم تدريجيًا.
لكن، وهذا مهمّ جدًّا: لا تطبّقي أيّ تمرين حسّي أو أسلوب علاجي من دون استشارة طبيب أو معالج وظيفي مختصّ. فما يناسب طفلًا قد لا يناسب آخر. والتقييم الفردي ضرورة لا خيار.
5. ما الذي تشعر به الأمّ؟ وكيف تحافظ على توازنها؟
قلق الأمّ حين تشعر بأنّ طفلها يبتعد عن حضنها ألمٌ حقيقي يستحقّ الاعتراف.
كثير من الأمهات يحملن شعورًا خفيًّا بالذنب. يتساءلن: هل أخطأت في شيء؟ هل أفعل ما يكفي؟ والإجابة في الغالب: أنتِ لم تفعلي شيئًا خاطئًا. الطفل الذي يرفض اللمس لا يرفضكِ. بل يحتاج منكِ نوعًا مختلفًا من القرب. والتمييز بين الأمرين هو ما يُحرّر الأمّ من الذنب ويُحرّر الطفل من الضغط.
يُنصح بالتحدّث مع أخصائية نفسية أو أخصائية تربوية. ليس لأنّ ثمّة مشكلة بالضرورة. بل لأنّ الدعم المتخصّص يُخفّف الحيرة ويُقلّص القلق. ولأنّ الأمّ التي تهتمّ بصحّتها النفسية تُعطي طفلها بيئة أكثر هدوءًا وأمانًا.
طفلي لا يحب اللمس أو الحضن جملة تحتاج إلى فهم لا إلى حكم. كلّ طفل يُعبّر عن حاجته للحبّ بطريقة مختلفة. ومهمّتكِ ليست تغيير طبيعته. بل اكتشاف لغته الخاصة والحديث بها.
تذكّري أنّ الخطوة الأولى دائمًا هي استشارة الطبيب. فالتشخيص الصحيح يُغلق باب القلق ويفتح باب الحلول. وحين تفهمين طفلكِ بعمق، تتحوّل المسافة بينكما من جدار إلى جسر. وكما يحمل كلّ سلوك عند الطفل رسالة، كما نعرف حين يعضّ طفلنا الآخرين، فرفض الحضن هو أيضًا رسالة تنتظر من تفكّ رموزها بمحبّة وعلم.
مقالات شبيهة
عرض جميع المقالات"ليالينا سوى" جديد خلف المشعوف بتوقيع الموسيقار مطر الكواري
يستعد الفنان الكويتي خلف المشعوف، لطرح أغنيته الجديدة "ليالينا سوى" في خطوة ينتظرها جمهوره بحماس…
أمراء ووجهاء ومسؤولون يهنئون الشيخ أحمد باحميدان بزفاف نجله محمد في جدة
جدة - ماهر عبدالوهاب احتفل الشيخ أحمد باحميدان، بحضور إخوانه وأبنائه، بزفاف نجله محمد على…
خالد رغدان إختصاصي نفسي: رؤية تطبيقية متكاملة في العلاج السلوكي
برز اسم خالد رغدان إختصاصي نفسي كأحد الكوادر المهنية المتميزة التي تقدم خدمات الرعاية والتأهيل…







