2500 دولار أميركي تكلفة "رحلة الموت" من صيدا هجرة إلى أوروبا

2500 دولار أميركي تكلفة

المواطنون يبحثون عن ملجأ آمن... هرباً من الفقر والعوزة

مصير الصيداوي فؤاد الرفاعي ما زال مجهولاً!

ثريا حسن زعيتر:

فتحت الأزمة السورية الممتدة منذ 4 سنوات ونيف أبواب الهجرة على مصراعيها، وقد زاد من الإقبال عليها موافقة دول الاتحاد الأوروبي على قبول الملايين منهم، فوجد اللبناني فرصة سانحة لركب البحر، وترك البلد الذي يغص بالمشاكل والمصائب الأمنية والسياسية والاجتماعية وحتى الصحية، مع تفاقم أزمة النفايات والمخاطر والأمراض التي تهدّد كل مواطن في لبنان...

نعم... لم يعد اللبناني يجد ملجأ أو ملاذاً آمناً يأوي إليه ليحميه من غدر الزمان ويقيه شر العوز والحاجة في بلده، حتى إنّه لم يعد يستطع أنْ يضمن لنفسه ولأولاده صحّتهم الجسدية والنفسية في بلد تنعدم فيه أبسط حقوق المواطن، وهنا تتعاظم التساؤلات وتنقطع الآمال في إيجاد الراحة، ولا يبقى للمواطن سوى البحث عن موطن آخر غير بلده علّه يجد فيه ما يحفظ له كرامته وحقوقه...

في صيدا ومخيّماتها الفلسطينية باتت الهجرة مطلباً للناس على مستوى الأفراد والعائلات، للتخلّص من الواقع المرير والفقر والبطالة وتدنّي الخدمات، وكثيراً ما دفع "المهاجرون" حياتهم ثمناً لذلك، فتحوّلت أجسادهم إلى طعوم للأسماك، أو باتوا في السجون نتيجة الهجرة غير الشرعية، ورغم كل المخاطر تستمر الرحلات إلى ما لا نهاية...

"لـواء صيدا والجنوب" واكب هذه الظاهرة في صيدا ومخيّماتها، واستطلع آراء الناس حولها للوقوف على أسبابها وخلفياتها...

***

الهجرة... حديث الناس

"الهجرة إلى البلاد الأوروبية" أصبحت حلم كل لبناني وفلسطيني وسوري، بل وحديث الساعة في مدينة صيدا وجوارها ومخيّماتها الفلسطينية، كالقوت اليومي لهم، ففي البيوت والمحلات وفي الطرقات أيضاً لا تسمع غير حديث واحد "الهجرة"، حتى باتت هذه الكلمة حديث الناس على مختلف جنسياتهم وطبقاتهم وأعمارهم وفي كل مكان وزمان، فبعد أنْ كان هم المواطن إيجاد عمل وتأمين منزل والاستقرار، أصبح اليوم همّه الوحيد الهرب وبأي طريق كان، المهم أنْ يغادر هذا البلد حتى ولو كان الطريق يؤدي إلى الموت، لا شيء يشجعه للبقاء، فهو يشعر بأنّه فقد كل حقوقه المشروعة التي يمكن أنْ تجعله يتمسّك بأرضه وبلده.

في مدينة صيدا تسمع همسات أحياناً سرّاً وأحياناً أخرى بالعلن، وأنّ هناك نسبة كبيرة من الصيداويين هاجروا المدينة، ومن يملك من الشباب 2500 دولار أميركي يسافر، أما البعض الذين لا يملكون المال يقولون "ما باليد حيلة"... ننتظر الفرج، لكن هل هناك فرج حقيقي أم هو بالخيال والأحلام فقط.

* تقف "أم محمد" على شرفة منزلها المطلة على البحر الواسع، شاردة الذهن، والدموع في عينيها قالت: "أبكي لاشتياقي إلى فلذة كبدي، فقد قرّر إبني أنْ يسافر إلى أوروبا، مثله مثل غالبية الشباب فإبني محمد شاب مثقّف ومتعلّم، درس الهندسة وتخرّج منذ سنتين تقريباً، كان يحلم بأنْ يصبح مهندساً معمارياً، لكن في هذا البلد للأسف وضع شهادته على الرف، لأنّه لم يجد فرصة عمل، علماً بأنّه كان يكره السفر، لكن المسؤولين في هذه الدولة لا يريدون أولادنا".

وبغصّة أضافت: "في البداية لم أوافق، وكنتُ أعرف أنّه لن يسافر دون إذني، لكنّني في نهاية الأمر استسلمتُ للأمر الواقع، لماذا أحرم إبني من أنْ يبحث عن طريق السعادة، ما الذي ينتظره في هذا البلد؟ لا يوجد عمل ولا أمان ولا ضمان، فلماذا يبقى؟ لا مستقبل له هنا!! ولكن ما عساه يفعل؟ فإنْ بقي هنا فلن يجد عملاً فكيف يؤمّن مستقبله، وكل هم الدولة أنْ تأخذ الضرائب منّا ولا تعطينا شيئاً من حقوقنا".

وبحسره قالت: "لقد كلّفه السفر حوالى 2500 ألف دولار أميركي تقريباً، لكن أيضاً هناك مخاطرة من البحر، وما أدراك ما البحر وغدره، لقد رأى الموت بعينيه، كان القارب يُبحِر في الظلام هرباً من خفر السواحل، والمخيف أنّ المركب يتّسع 4 أشخاص يركب على متنه حوالى 52 شخصاً، لذلك تكون المخاطرة وينقلب أو يُثقب المركب لأنّه مطاطي، وهكذا يموت من عليه. إنّها رحلة الموت وإذا تمّت العملية على خير يتم إنزالهم من القارب في المياه قرابة الشاطئ اليوناني، ليكملوا طريقهم سباحة خوفاً من عثور الشرطة عليهم، فإذا أمسكوا بهم يزجّونهم في السجن وقد يتعرّضون للضرب والتعذيب".

صيدا... نجاة ومفقود

* ونجاة محمد، لم تجر على الصيداوي فؤاد الرفاعي (في العقد الرابع من عمره) الذي ترك المدينة مع نجله صبحي (14 عاماً) ومواطنين آخرين من المدينة مع مهاجرين غير شرعيين، طلباً للجوء في ألمانيا، إذ غادر لبنان إلى أزمير في تركيا ومنها إلى اليونان وصولاً إلى ألمانيا، حيث كان فؤاد ينوي الالتحاق بشقيقه الموجود هناك، بهدف تأمين العلاج لولده صبحي كونه يعاني من كهرباء في الرأس.

لكن رحلة الهجرة كانت مؤلمة، لم يصل فؤاد إلى هدفه، وما زال مصيره مجهولاً لغاية الآن، بعدما باغتتهم الشرطة التركية أثناء ركوب البحر عبر وسيط يساعدهم على العبور إلى اليونان مقابل مبلغ من المال، وعندما حان الموعد المُتّفق عليه ولحظة استعدادهم للانطلاق بحراً، باغتتهم الشرطة التركية وألقت القبض على نحو 60 مهاجراً بينما تمكّن فؤاد وابنه صبحي من الفرار وبعدها بوقت قصير، ألقت الشرطة القبض على الولد الذي أبلغهم بأنّ والده قد سقط أرضاً من دون أنْ يعرف ماذا حلَّ به، ولما قصدت الشرطة المكان، لم يُعثر له على أثر، علماً بأنّه كان في حوزته مبلغ 7 آلاف دولار، بالإضافة إلى جوازَيْ سفره وولده، وإلى اليوم تنتظر عائلة الرفاعي في صيدا خبراً مؤكداً عنه بعد إشارات إلى نه لم يفارق الحياة كما قيل.

المخيّمات... هجرة جماعية

وفي المخيّمات الفلسطينية، اتخذت الهجرة طابعاً جماعياً، إذ لم يعد يقتصر على الأفراد فقط كما كان الحال سابقاً، حيث بات الكثير من العائلات يبيعون ما فوقهم وتحتهم من أجل تأمين تكاليف الرحلة عبر البحر، رغم مخاطر الموت، وقد قضى عدد من أبنائها وآخرهم ريهام المغربي من مخيّمات الشمال، فيما أوقف الأمن العام منذ أسابيع العشرات من أبناء مخيّم عين الحلوة أثناء محاولتهم ركوب البحر إلى تركيا عبر ميناء طرابلس دون الحصول على "فيزا"، أطلق سراحهم وبقيت صدى دعوات الشباب تتعالى وتؤكد أنّ الفقر والبطالة والحصار والتهميش أسباب تدفع إلى المخاطرة والموت بدلاً من البقاء بالحرمان والموت البطيء دون أي اهتمام على مختلف المستويات، فالدولة لم تمنح الحقوق المدنية والإنسانية والاجتماعية و"الأونروا" تقلّص خدماتها التربوية والصحية والخدماتية والفصائل الفلسطينية على تنوعها تقف عاجزة عن حل كل المشكلات.

الكلمات المخصصة لهذا المقال:
مجتمع

مقالات شبيهة

عرض جميع المقالات
سارة زعيتر تتبنى قضية

سارة زعيتر تتبنى قضية "لا تتنمّر" في إطار مشاركتها بمسابقة ملكة جمال العرب في لبنان

في خطوة لافتة تعكس وعيها الاجتماعي والتزامها الإنساني، أعلنت المشتركة في مسابقة ملكة جمال العرب…

عشاء سري في مونتريال.. كاتي بيري وجاستن ترودو يشعلان التكهنات

عشاء سري في مونتريال.. كاتي بيري وجاستن ترودو يشعلان التكهنات

من النّادر أن يجتمع نجمان عالميّان من عوالم مختلفة تمامًا في لقاء خاصّ حميم بهذا…

كارمن لبس تنعى زياد الرحباني: “حاسّة كل شي راح”

كارمن لبس تنعى زياد الرحباني: “حاسّة كل شي راح”

لم يكن الفنان اللبناني الكبير زياد الرحباني مجرد معرفة عابرة في حياة الممثلة اللبنانية كارمن…