قطاف الزيتون في شرقي صيدا شحيح هذا العام بسبب العواصف الرملية
ثريا حسن زعيتر:
موسم الخير والبركة تجتمع تحت شجرته العائلات والأحبّة
المزارعون: رغم كل شيء إلا أنّنا سنبقى نحافظ على شجرة الزيتون
بفارغ الصّبر، ينتظر الأهالي والمزارعون حلول موسم قطاف الزيتون، فهذا الموعد ليس مناسبة للرزق فقط، بل هو أيضاً موسم تجتمع فيه العائلة بكبيرها وصغيرها، حيث يتبادلون الأحاديث ويتشاركون فرحة اللقاء، فموسم القطاف هو فرصة لأبناء القرى الذين تركوا بلداتهم، ونزحوا إلى المدينة لأنْ يعودوا إلى أرضهم وجذورهم، وفرصة للجيل الجديد لأنْ يتعلّموا حب الأرض والوطن وروح المشاركة...
رغم صعوبة العمل الذي يبدأ من الساعة السادسة صباحاً وينتهي مع الغروب، تعيش بعض العائلات داخل الكروم متعة القطاف، فهناك حكاية عشق بين شجرة الزيتون والأهالي، الذين يأخذون القوّة والصمود من هذه الأرض، ويتحمّلون حرارة الشمس الحارقة، لكن معاناة المزارع والتكاليف التي يتكبّدها خاصةً مع تراجع اهتمام الجيل الجديد بالزراعة، أضيفت إليها هذا العام موجة الحر الشديد والجفاف مع العاصفة الرملية التي ضربت لبنان، حيث جعلت موسم الزيتون شحيحاً مثل العامين الماضيين، في ظل ارتفاع أجرة اليد العاملة...
«لـواء صيدا والجنوب» جال على كروم الزيتون في قرى شرقي صيدا، والتقى الأهالي والمزارعين والعمّال...
قطاف وعمّال
تجمّع أفراد العائلة صغاراً وكباراً داخل كروم الزيتون، حيث تقسّموا إلى أكثر من فريق، كل واحد في مكان... فوق الشجرة أو تحتها بمشاركة مَنْ يهز الشجرة بالعصا.
الأطفال يلتقطون حبّات الزيتون من على الأرض، مع أحاديث وضحك وأغانٍ، وكأنّه عيد الزيتون مع إبريق الشاي وركوة القهوة والزوّادة اليومية، لكن هذا العام أضيف إليهم عمّال أجانب للمساعدة في القطاف.
{ ففي بلدة الصالحية – شرقي صيدا، تجلس أم «إلياس» المعماري تحت الشجرة، تضع على رأسها قبعة من القش، وفي يدها عصا، وإلى جانبها عمّال أجانب يقومون بقطف حبات الزيوت، فيما هي شاردة الذهن تغنّي.
قالت والإبتسامة على وجهها: «أنا انتظر قطاف الزيتون كل عام بفارغ الصبر، فرغم تقدّمي بالسن إلاّ أنّني أُصرّ على القدوم إلى الأرض، والتمتّع بهذا المنظر الرائع، وكيفية قطاف الحبّات... صحيح أنّني لا أستطيع أنْ أقطف حبّات الزيتون، لكن لا أفوّت على نفسي مشاهدة هذه اللحظات لأنّها لا تُعوّض أبداً، فأنا أعشق الأرض ورائحتها».
وأضافت: «أولادي يعملون في بيروت وليس لديهم وقت للقطاف، لكن في أيام العطلة يأتون مع أولادهم ويقطفون الزيتون، لذلك آتي بالعمّال كي يقطفوا الزيتون وأنا أشرف عليهم وأعلّمهم كيفية فرز الزيتون، فالحبة الصغيرة أو «المضروبة» بدبغ أو جرح تكون للعصر والكبيرة والخضراء والناضجة تكون لمونة المنزل».
زيتون وبركة
{ أمّا في بلدة كفريا، فيقف «أبو طوني» القاضي ومعه عمّال يقومون بقطف الزيتون، حيث قال: «منذ حوالى سنتين وأنا أقوم باستئجار عمّال لقطاف الموسم، فأنا لم أعد أقوى على العمل وأولادي مسافرون وأحفادي في المدارس، لكنهم يأتون في أيام العطلة إلى الأرض».
وأضاف وهو يتنهّد: «في القدم كان الأهالي والجيران يساعدون بعضهم البعض، لكن الأيّام والأحوال تغيّرت، فأولادنا ليسوا مثلنا، نحن عشنا وعشقنا الأرض، وهم سافروا بسبب الأوضاع الاقتصادية الصعبة في لبنان، فأنا أملك حوالى الـ 100 نصبة زيتون لذلك أقوم باستئجار العمّال، رغم أنّني لا أجني الربح بسبب كلفة أتعاب العمّال، لكنّني ما زلت أحافظ على شجرة الزيتون وبركاتها، لأنّها تعني لنا الحب والعطاء».
وتابع: «أنا أشرف على العمّال، وكيف تتم عملية القطف، وكيفية التقاط حبّات الزيتون، فهذه الحبّة يجب أنْ تُدلّل، لا أنْ تُقطف بقساوة، فأنا لا أترك العمّال ولا للحظة، أحضر من الصّباح الباكر، وأصل قبلهم إلى الكرم، وأبقى حتى انتهاء العمل. ألملم كلّ الحبّات التي تسقط على الأرض، ومن ثم أفرزها للأكل والمونة أو للعصر، كما أجهّز الغالونات لتعبئتها بالزيت».
زيت وموسم
{ وداخل معصرة ديب متري في الصالحية، تفوح رائحة زيت الزيتون الزكية، فالمعصرة كخليّة نحل تعمل ولا تتعب، وللمناسبة قال متري: «إنّ الموسم هذا العام شحيح، كان من المُفترض أنْ يكون وفيراً، لكن السبب يعود إلى الجفاف والعواصف الرملية التي أصابت لبنان، فأثّّرت على زهرة الزيتون التي ذبلت من ارتفاع درجة الحرارة».
وأضاف: «ننتج في اليوم حوالى 80 تنكة، لكن في الأعوام السابقة كان الإنتاج حوالى 100 تنكة زيت، فهذا الموسم هو «نصف موسم»، خاصة أن بلدة الصالحية مليئة بأراضي الزيتون، فنحن نستلّم حبّات الزيتون وتتم عملية الفرز، وتُعصر الحبّات حيث يخرج الزيت الأخضر منها، ويعبّأ في غالونات بلاستيكية أو «تنكات»، لكن اليوم معظم الناس يستعملون الغالونات، التي يبلغ حجمها 16 ليتراً، حيث توضع في مكان مظلم كي تحافظ على جودتها، ويتراوح سعر الواحدة منها بين 200 و250 ألف ليرة لبنانية وفق نوعية الزيت وجودته، أمّا خلاصة الزيت أو «التّفل» فتُستخدم في صناعة «الصابون العربي» الذي يبدأ موسمه مباشرة بعد موسم الزيتون».
درس الأرض
{ رئيس «مدرسة الفنون الإنجيلية الوطنية» في صيدا جان داود قال: «منذ سنوات ونحن في المدرسة نتّبع سياسة خاصة، وهي أنّه يجب على جميع الطلاب التعرّف والانخراط في المجتمع بكل تفاصيله، وتعلّم كيفية المحافظة على البيئة، وقد قام الطلاب بمشاركة المزارعين في بعض بلدات وقرى شرق صيدا والزهراني، وذلك ضمن برنامج أنشطة نادي البيئة في المدرسة، وتعزيزاً لعلاقة الجيل الجديد بالأرض وتخفيفاً من الأعباء على المزارعين وخاصة قطاف حبات الزيتون».
وأضاف: «نحن من خلال هذه التجربة نكون قد غرسنا في عقول الطلاب أهمية الأرض والعمل الريفي ومدى تمسّك الناس بأرضهم، هكذا ننمّي حب الزراعة ونشجّع الجيل الجديد على الاهتمام بأرضه وزراعتها ونعلّمه كيفية القطاف والفرز، وكذلك كيف يتم عصر الزيت لأن الزيت والزيتون مهمان جداً للصحة، وبالتالي يجب عدم إهمال هذا القطاع الذي يُفيد البيئة بشكل كبير».
مقالات شبيهة
عرض جميع المقالات"مرافئ العشق الإلهي"
كتبت أم عبد الوهاب: كلما امتدت ساعات السهر، وأرخى الليل سدوله على الوجدان، هبّت زفرات…
مجوهرات عيد الأب 2026: هدايا تحمل معنى خاصاً
غالباً ما تكون مهمة اختيار هدية لعيد الاب من أكثر الأمور التي تحتاج إلى تفكير،…
طفلي لا يحب اللمس أو الحضن! إليكِ ما قد يفسر هذا السلوك
طفلي لا يحب اللمس أو الحضن جملةٌ تقولها كثير من الأمهات بصوت مرتبك، وخلفها قلق…










